الفيض الكاشاني

1086

علم اليقين في أصول الدين

على أنّ كلتيهما مدركتان للنفس ، إحداهما بواسطة الآلات الجسدانيّة ، والأخرى بذاتها « 1 » . ومن هنا صحّ أن يقال « 2 » : « إنّ الدنيا والآخرة حالتان للنفس » . وأن يقال : « إنّ النشأة الثانية عبارة عن خروج النفس عن غبار هذه الهيئة البدنية » ؛ فمن قبل أن تخرج عن البدن لا ترى تلك الصورة إلّا مشاهدة ضعيفة - وذاك أيضا لبعض الناس - وإذا تجرّدت وارتفعت الشواغل وقوي العزيمة وانحصرت القوى كلّها في قوّة واحدة - وهي المتخيّلة على ما حقّقناه فيما قبل « 3 » - وتصير هي عينا باصرة وقوّة فعّالة : ينقلب العلم مشاهدة ، والمسموع مشافهة . وقد تبيّن أنّ أهل كل نشأة إنّما يدرك الموجودات التي فيها على سبيل المشاهدة ، والتي في غيرها على سبيل الحكاية ؛ فشهادة كلّ نشأة غيب في أخرى ، وعيانها علم وخبر في غيرها ، « والناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا » « 4 » . فالصور الدنياويّة بالنسبة إلى الاخراويّة كالصور المناميّة إلى الانتباهيّة .

--> ( 1 ) - مقتبس من مفاتيح الغيب : المفتاح الثامن عشر ، المشهد الخامس : 607 . ( 2 ) - نفس المصدر : 609 . ( 3 ) - في هامش النسخة : « قال في الفتوحات : الاحتضار حال استشراف على حضرة الخيال الصحيح ، الذي لا يدخله ريب ؛ ما هو الخيال الذي هو قوّة في الإنسان في مقدّم الدماغ ؛ بل هو خيال من خارج ، كجبرئيل في صورة دحية ؛ وهو حضرة مستقلّة وجوديّة صحيحة ، ذات صور جسديّة ، تلبسها المعاني والأرواح » . ( 4 ) - مضى في الصفحة : 1037 .